الزهد و التصوف في العصر العباسي:

 

ليس معنى ما قدمناه من حديث عن اللهو والمجون إن المجتمع العباسي كان منحلا

اسلم نفسه للشهوات بل كان خاصا بالمترفين ومن حولهم من الشعراء ولم يكن عامة

الشعب تعرف  مجونا بل كانت مسلمة حسنة الإسلام.

وإذا كانت حانات الكرخ في بغداد ودور النخاسة مكتظة بالجواري والإماء فمن ناحية أخرى كانت المساجد عامرة بالعباد والنساك وكان الوعظ في هذا العصر يلتحم بالقصص للعظة والعبرة وكان العباد يحيون حياة زهد خالصة كلها تبتل

وتقشف وانقباض عن الاستمتاع بالحياة وملذاتها.

وينبغي إلا نبالغ فنزعم إن التصوف نضج في هذا العصر،انما أخذت مقدماته

في البروز والظهور وقد حاول بعض المستشرقين في هذا العصر إن يربط ربطا وثيقا بين زهد هؤلاء النساك وبين زهد الرهبان المسيحيين الذين كانوا ينتشرون في العالم الإسلامي (العراق ومصر والشام...).

الزهد الإسلامي وما ارتبط به من مقدمات التصوف كانت تجري بجانبه أسراب بالزهد الفاسد هو زهد الزنادقة وهي تزخر بالترغيب عن متاع الدنيا الزائل حتى ليقول ابن المعتز إن له في ذلك ما ليس لأحد

ومعنى هذا كله أن العصر العباسي الأول شهد لونين من الزهد:

·       زهدا إسلاميا خالصا أعد ّ للنسك والتصوف

·       زهدا مانويّا مارقا وهو الذي يمكن أن يوصل بينه وبين البوذية

وقد مضت الدولة تقاومه وتقاوم أصحابه مقاومة عنيفة ،وكان من تمام النسك المارق المنحرف أن يعيش الناسك من سؤال الناس

ومن أهم شعراء الزهد و التصوف :

أبو العتاهية : وهو إسماعيل بن القاسم بن سويد ولد في عين تمر قرب الأنبار في العراق سنة 130هـ وكان أبوه مولى لبني عنزة وانتقل إلى الكوفة هو وأسرته ونزعت نفسه للهو والمجون منذ صغره .

عمل في صناعة الخزف و بيع الجرار مع أخيه وخالط المجان من الشعراء كما واظب على حلقات العلماء مما أتاح له إتقان اللغة العربية وعلم الكلام .

اتصل بإبراهيم الموصلي المغني وكان يزوده بأشعاره الغزلية فيغنيها ثم تحول إلى بغداد فمدح كبار رجال الدولة وعلت مكانته اتصل بالخليفة الهادي فقربه ثم بالرشيد ومدحه .

أحب جارية تدعى عتبة وتعته في حبها فلقب بأبي العتاهية .

تحول في عصر الرشيد عن حياة اللهو والمجون إلى الزهد والتقشف وتاب .

كان واسع الثقافة ملماً بالثقافتين العربية والفارسية وقد انعكست معارفه في شعره .

يميل أسلوبه إلى اللين و الخفة ويكثر من النظم على الأوزان القصيرة ويعالج موضوعات مستمدة من حياة الناس بلغة سهلة بلغت أحيانا حد الضعف وقد جدد في الأوزان تجديداً خرج فيه على بحور الخليل المعروفة ولما روجع في ذلك قال : أنا أكبر من العروض .

يعد أبو العتاهية زعيم مدرسة شعرية جددت في موضوعات الشعر فقربته من حياة الناس مثلنا جددت في الأساليب فاختارت الكلام اللين الواضح القريب من لغة عامة .

ولأبو العتاهية العتاهية قصيدة في الزهد والتصوف ترقى بها مرتبة سامية بين شعراء الزهد والتصوف في العصر العباسي نستعرض منها الأتي :

·       قطعت منك حبائل الآمال          وحططت عن ظهر المطي رحالي

·       ويئسـت أن أبقـى لشيء مـمـ         ـا فيـك يا دنيــا وان يبقــى لـــي

·       ولقد أقام لـي المشــيب نعاتـه      يفضــي إلــي بمــــفرق و قـــــذال

·       وإذا تناسبت الرجال فما أرى      نسـبا يقـاس بصـــالح الأعمــــــال

·       ولقد عجبت من المثمر ماله        نسـي المثمــــــر زينة الإقــــــلال