وصف الطبيعة في العصر العباسي

 

الشعر صورة عن المجتمع ويصيبه ما يصيب أوجه الحياة من جمود أو تطور وتجديد وقد اتسعت رقعة الحياة في العصر العباسي وتعددت نشاطاتها وفتح العرب أبوابهم لحضاراتٍ وثقافاتٍ جديدة ومتنوعة جعلتهم ينتقـلون من طور البداوة والانغلاق إلى بناء حضارةٍ خالدةٍ بعد أن نهلوا من كل موارد الفكر و الثقافة  وتوافر لهم الرخاء الاقـتصادي .

وفي ظل هـذا الامتداد العباسي وتوسع الحياة ورخاء العيش انتشر الوصف قي شعر العباسيين وأصبح غرضاً مهماً اتسع مداه  بين الأشياء المادية والمعنوية وتعددت الموضوعات الوصفـية فشملت جميع مظاهر الحياة عـند العباسيين فوصف الشاعر آثار الحضارات القديمة وقصور الخلفاء وحدائـقـهم وملاهي الناس والصيد والرياض .

واهتم الشعراء العباسيون خصيصاً بوصف الطبيعة فقد كانت الطبيعة تستأثر بكل مشاعر الشاعر وعواطفه مما جعله يكلف بها كلفاً شديداً فهو يعيش فيها مع كل حركةٍ وكل همسة ٍمعيشةً قويةً حارةً يرى فيها الطبيعة من حوله وقد تحولت وجوهاً فاتنةً ناطقةً وكل شيءٍ فيها يغريه بالنظر واللمس والشم .

ومن أشهر الشعراء الذين خاضوا في بحر وصف الطبيعة:

1ـ الشاعر أبو تمام :

شاعـر المعاني والتجديد ومن أحسن ما صوره في الوصف التعبير عن أحاسيس الطير ومن ذلك ما فاله في مقارنة بين ما كان يعانيه  من حزنٍ وهم وبين ما لاحظه على قمريٍ وقمريةٍ من تبادل رحيق الهوى في سعادةٍ وحبور حيث قال يصف ذلك :

غنى  فشاقك  طائر غريدُ                  لما  ترنم  والغصون  تميد

ساقٌ على ساقٍ دعا قمريةً                 فدعت تقاسمه الهوى وتميد

يا  طائران  تمتعا  هنيتما                  وعما الصباح فإنني مجهودُ

كما قال أيضاً في وصف الغيوم :

الـغـيم  بين مغـبوقٍ  ومصـطبـحٍ               من ريق مكتفلاتٍ بالهوى دلحٍ

دهمٌ إذا ضحكت في روضةٍ طفقت            عيون  نوّارها تبكي من الفرح 

2ـ الشاعر البحتري :

لقد تنوعت موضوعاته الشعرية وقد برع في وصف الطبيعة وملامح الحضارة التي عايشها ومن روائع في وصف الطبيعة وملامح الحضارة التي عايشها ومن روائع شعر البحتري ما قاله في وصف الربيع :

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً                 من الحسن حتى كاد أن يتكلما

ونبه  النوروز في غلـس الدجى                  أوائل وردٍ كان بالأمـس  نوماً

يفتقها برد  الندى  فكأنه يبـــث                    حديثـاً  كان  بالأمـس  مكتماً 

3ـ ابن الرومي :

ومن بديع شعر ابن الرومي ما صور به مناظر الطبيعة حيث قال:

ورياضٌ تخايل  الأرض فيها                         تخايل  الفتاة في الأبراد

ذات وشي ٍ تناسجـته سوار                           لبقاتٍ  يحوكه  وغوادي   

 فهي تثني على السماء ثناءً                        طيب النثر شائعا في البلاد

فالأرض تتراءى له كأنها فتاةٌ حسناء تختال في برود البيع البهيجة ووشيها الذي نسجته السحب نسجاً بديعاً وهي تثني على السماء  ثناءً عطراً . 

كما وصف ابن الرومي الربيع أيضاً وذلك بقوله :

ضحك البيع إلى بكى الديم                  وغـدا  يسوي النبت  بالقمم

من بين أخضرٍ لابسٍ كمماً                خضراً وأزهرٍ غير ذي كمم

 4ـ الصنوبري:

أجاد الوصف وأبدع فيه كقوله :

ياريم قومي الآن ويحك فانظري          ما للربى قد أظهرت إعجابها

كانت محاسن وجهها محجوبة ٌ           فالآن قد كشف الربيع حجابها

وردٌ بدا يحكي الخدود ونرجسٌ          يحكي العيون إذا رأت أحبابها

 فهو يوقظ صاحبته لترى الطبيعة وقد حسر الربيع نقابها فبدت خدودها وعيونها الرانية.

كما يقول أيضاً:

  ما الدهر إلا الربيع المستنير إذا           أتى الربيع أتاك النور والنّور

  فالأرض ياقوتةٌ والجو لؤلؤةٌ و            النبت  فـيروزجٌ  والـماء  بلّور

  تظل تنثر فيه السحب لؤلؤهـا             فالأرض ضاحكةٌ والطير مسرور

فالربيع كأنه دكانٌ مليءٌ بالجواهر والدنيا مليئةٌ بالبُشر والسرور، والطيور تغني وتشدو بصوتها الساحر.

5 ـ ابن المعتز :

ومن أجمل ما أنشده في الوصف قوله في وصف الهلال:

 

انظر إليه كزورقٍ من فضّةٍ                  قد أثقـلته حمولةٌ من عنبر

وقوله أيضاً واصفاً قصور ورياض المعتضد :

وأنهار ماءٍ كالسلاسل فجرت                 لترضع أولاد الرياحين والزهر

جنانٌ وأشجارٌ تلاقت غصونها             فأورقن بالأثمار والورق الخضر
ترى
الطير في أغصانهن هواتفاً             تنقّل  من  وكرٍ  لهن  إلى  وكر

 ومما سبق نجد أن الوصف في هذا العصر قد أصبح فـناً  مستقلاً بفعل الطبيعة الغنية بالجمال إضافةً إلى المظاهر الحضارية  التي عني الشعراء بوصفها فقد كان الشاعر العباسي يصف كل ما يقع تحت ناظريه

وقد كان وصفه دقيقاً واقعيا يصور فيها المشهد الموصوف تصويراً يمازج الرسم أحياناً وكأنه بدقته قد

 أسهم في صنع ذلك الموصوف .

        

                                                                                  < ولاء الشيخ > 



ليس المهم أن نموت و لكن أن تموت بداخلنا أشياء لا يجب أن تموت

__________________________________________________

 

العودة للصفحة الرئيسية